عبد الكريم الخطيب

478

التفسير القرآنى للقرآن

والشعراء . . وإذن فقد بطلت دعواه أيضا بأن ما يحدثهم به هو وحي من عند اللّه . . . لأن اللّه لا يكذب ، ولا يفترى ! . والحق أيضا أن هذه الآيات ، وما حملت من هذا الغيب ، الذي أذاعته في الناس جميعا ، والذي ترددت أنباؤه على أسماع الناس في الجزيرة العربية ، وما فيها من مشركين وأهل كتاب ، بل وربما جاوزت الجزيرة العربية إلى فارس والروم . الحق أن هذا كان تحديا للناس جميعا ، بهذه المعجزة المادية المحسوسة . . . وقد كان ذلك فيما يبدو - في ظاهر الأمر - مغامرة انتحارية من محمد ، كما كان فرصة للذين يرصدون دعوة محمد ، ويريدون أن يعرفوا على وجه اليقين ، مبلغ صدقها أو كذبها . وكعادة المشركين الضالين ، الذين استقبلوا الدعوة الإسلامية من أول يومها بإعلان الحرب عليها ، من قبل أن ينظروا في وجهها ، وأن يتبينوا دلائل الحق التي بين يديها - كعادتهم في مواجهة الدعوة الإسلامية بالكفر والعناد ، استقبلوا هذه الآيات بالهزء والسخرية ، وأقبلوا إلى المسلمين يسلقونهم بألسنة حداد ، بما عرف فيهم من لجاج ولدد في الخصومة . . فما هذا الخبر الذي حملته الآيات ، إلا وعدا كتلك الوعود الكثيرة التي أوسع لها محمد في الأجل ، فجعلها في عالم آخر ، نصب فيه موازين الحساب والجزاء ، وأقام في ساحاته الجنة والنار . . . وإذا كان في هذا الوعد الجديد شئ ، فهو في قرب الأجل المضروب له . . . وهذا القرب هو في ذاته دليل على كذبه ، وأنه ليس من عند اللّه . . . إذ لو كان عن إرادة نصر من عنده لأهل الكتاب على المجوس - لكان ذلك أمرا منجزا ، ولما كان للّه أن يؤخره بضع سنين . . . إذ لا داعية لهذا التأخير ، ما دامت قدرة اللّه حاضرة قادرة أبدا . . بل وأكثر من هذا ، فإن هذا النصر لو كان إرادة للّه لما وقعت الهزيمة أصلا بالروم ، ولكان